عبد الملك الجويني
254
نهاية المطلب في دراية المذهب
هو من قبيل القرائن ، والعملُ بالقرائن - وإن كانت دالَّةً في مجاري التخاطب - بعيدٌ عن مذهب الشافعي ، فإنه لا يعوّل على القرائن في إلحاق الكنايات بالصرائح ، وهذا الذي ذكرته تنبيهٌ على الإشكال ، وإلا فالحق المبتوت الذي لا يجوز غيره ما ذكرناه من التعلق بدلالة الوقف ، ونعتبر النغمةَ . والقرائنُ التي ينكرها الشافعي هي مثل سؤال المرأة الطلاق ، مع قول الرجل : أنت بائن في جوابها ، وممّا أنكره الغضب ، فإن أبا حنيفة ( 1 ) جعل الغضب قرينةً على الطلاق عند التلفظ بالكناية ، والشافعي أبَى هذا ؛ فإن السّؤالَ حالُ المرأة ، والرجلُ قد يُسعِف وقد يخالف ، والغضبان قد لا يطلق . فالذي أنكره الشافعي هذه الضروب ، فأما أصل القرينة ، فلا ينكره ذو فَهمٍ ، والدليل عليه أن الرّجل لو قال حاكياً : " أنت طالق " في درج كلام ، وكانت زوجته حاضرةً ، لم نقض بوقوع الطلاق ، وإن جرّد قصدَه في مخاطبتها ، وقع الطلاق ، إذا لفظ الزوج بالصريح ، وصيغة الحكاية كصيغة الخطاب لا تتميز إحداهما عن الأخرى إلا بتحديقٍ أو نغمة مخصوصة ، أو وقفةٍ تقطع المخاطبة بالطلاق عن [ انثيال ] ( 2 ) الكلام ، ولو لم يقل القائل بهذه الضروب ، لما انتظم كلام ، [ ولالتبس ] ( 3 ) ما يخاطِب به بما يحكيه . وهذه الضروب من القرائن تورث العلومَ الضرورية ، وعليها تُبْتَنى صيغ الألفاظ في الأخبار ، والإقرار ، والإنشاء ، والأمر ، والنهي ، فوضح أن الذي أنكره الشافعي ما لا يُثبت العلمَ ويَبْقَى معه التردّدُ واللفظ كنايةٌ في نفسه ، فأما ما يفيد العلم ، فقرائن الأحوال مع الألفاظ كقيود المقال . 9219 - وكل ما ذكرناه فيه إذا أبهم طلقةً - ونوى واحدةً بعينها ، فأما إذا أوقع طلقة بين امرأتين أو نسوةٍ ولم يعين واحدةً منهنَّ بقلبه ، فيطالب بتعيين واحدة ، كما يطالب
--> ( 1 ) ر . الهداية مع فتح القدير : 3 / 401 . ( 2 ) في الأصل : " أثناء " والمثبت تقدير من المحفق . ( 3 ) في الأصل : " ولا لنفسٍ " وهو تصحيفٌ ألهمنا الله صوابه .